jeel-libya.com
 

Warning: mysql_result() [function.mysql-result]: Unable to jump to row 0 on MySQL result index 20 in /home5/jeelliby/public_html/show_article.php on line 562
الصحفي محمد الصريط ينجو من الموت بعد تعرضه لاعتداء
محاكمات رجال العهد الملكي
أحداث ومفارقات تأسيس وإنطلاق أول گلية للطب البشري‮ ‬في‮ ‬ليبيا
ترقية وترضية وتنقية أجواء تسيطر على الدوري الليبي
في استقبال رمضان
النصر يستفيق و كارة يضع الأهلى فى الصدارة
 
 
 
 
   
مصراتة .. يا سـُرّة الوطن - 9/10
بلد الحسب .. النسب .. التجارة .. الهجرة .. التصوف .. الجهاد
 
د. فرج نجم
 
2008/03/21
 
 
التجارة ..


تشتهر مصراتة بالتجارة، والمصراتية بصياغة الذهب، والصناعات التقليدية، كما أن بها ميناء قصر حمد المهم، ومصنع الحديد والفولاذ، وتوجد بها جامعة عصرية حديثة المنشأ. وتجارة المصراتية لم تقتصر على القطر الليبي بل تجاوزت الحدود، فتاجر المصراتية مع مصر وتونس وبر السودان، كما كانت لهم علاقات تجارية مع بعض الممالك الأوربية كـ جنوة في إيطاليا، فصدروا لهم الصوف والزيوت، وتجارة الرقيق المشينة أيضاً.



على الرغم من تواصل تجار مصراتة مع زوايا الوطن الأربع ودول الجوار، ألا أنهم لم يتمكنوا من تجارة الصحراء في الجنوب البرقي تماماً كما فعلوا في حواضر الساحل، وهذا مرجعه، وبعد تحقيق، هو نجاح تجار المجابرة وقوافل الزوية من إجدابيا شمالاً مروراً بالواحات حيث جالو معقل المجابرة والكفرة معقل الزوية، حتى بلاد السودان التي تشمل تشاد ودارفور، واشتهرت عوائل مجبرية في التجارة، أذكر منها عائلة بوصفيطة في دارفور على سبيل المثال. وهذا القبائل ساعدت في توسيع حدود خارطة الوطن التقليدية إلى العمق الإفريقي في الصحراء الكبرى وصولاً إلى بحيرة تشاد، لتلتحم مع أجزاء من مناطق التبو والطوارق، ما زاد الوطن جمالاً في تعدد الألسن والأعراق والألوان والثقافات، وتعميق علائق الإخوة مع الجوار الجنوبي أسوة بتلك الوشائج على ضفتي النيل بمصر وشط الجريد بتونس.

فالتجارة تجري في دم المصراتية - كما يقولون - والملاحظ أنهم جمعوا ما بين التجارة والعلم والترحال، وما ذكره الصديق الأستاذ علي بوزعكوك فيه شرح وافٍ لهذه الذهنية فيقول: " .. فطفولتي التي كانت تدور في أنحاء ليبيا بين مصراتة وبنغازي وسرت، كانت تعكس ظروف الحياة الصعبة التي عشناها فقد هاجر والدي (الفقي رمضان أبوزعكوك، الحافظ لكتاب الله وخريج زاوية سيدي أحمد الزروق) من قرية السواطي بضواحي مصراتة سنة 1944م، إلى بنغازي طلباً للرزق بعد أن مرت على الناس في مصراتة الأيام الصعبة والتي كانت تعرف شعبياً بأيام (اللاقبي وسبول العبيد) ... حيث سكنت الأسرة مشاركة في أحد بيوت أقربائنا هناك ... وكان الوالد يعمل مع عمال النظافة ببلدية بنغازي، وكان بعد رجوعه من العمل يعاون الفقي "لامين" إمام جامع نبوس في دروس تحفيظ القرآن ..". (1)

فقد عُرف عن المصراتية ترابطهم الاجتماعي، والجِـدّ في إدارتهم السياسية، والاقتصادية، وسعيهم إلى التعمير والبناء والازدهار معمارياً، ومن لم يستطع منهم ذلك فيفضل الموت، كما كان يقوم قلة من بعض القاصرين عن لقمة العيش بما عرف بـ "اللطم"، حيث يدخل الرجل وزوجته وأولاده، ويلطم الباب عليهم حتى الموت، لما وصل بهم الكبرياء والعفة من مذلة السؤال، وهذه الأنفة، والشعور بالكد والعمل لفت أنظار بعض مؤرخي ليبيا أمثال المرحوم محمد عبد الرازق مناع الذي ولد وترعرع وتوفي بين أبناء العائلات المصراتية في بنغازي التي عرفت بلعبها الدور البارز في بناء بنغازي، وجعلها عاصمة المنطقة الشرقية وتسيير اقتصادها، فكتب واصفاً إياهم: ... يبدو أن أهل مصراتة من أنشط المواطنين في الكد والسعي، وهم متفوقون في مجالات التجارة، واستخدام وسائل النقل على الطرق وغير ذلك. (2)



ولعل الملاحظ أن المصراتية نسبياً يشكلون أقل نسبة في عِداد عمال وموظفي أجهزة الدولة لاعتمادهم على العمل الحر، فالمصراتي لا يعيره شيئاً للعمل من أجل حياة كريمة، سواء كان ذلك في صناعة الخبز أو صياغة الذهب أو سباكة الحديد، لتجارة البيض والرقيق، طالما كان ذلك حلالاً في الشرع والعرف، ولكنهم اشتهروا وبرعوا في التجارة، فبعدما يشتغل المصراتي في بادئ أمره في التحميل "حمال" في الأسواق أو عاملاً في الفلاحة أو كـ "سطاوي" بناء لكي يكون رأس مالاً بسيطاً مطلوباً للتجارة، ومن ثم يفتتح دكاناً يلبي حاجات المستهلكين من سلع يحتاجها المواطن في يومياته، ولا يتحرج المصراتي في الجلوس في دكانه طول النهار يبيع أي شيء كالمأكولات والفحم والحطب والملابس وغيرها، كما برز المصراتية في تجارة النقل والمواصلات، أي العمل في الشاحنات التي تنقل البضائع من مكان إلى أخر، حتى عُرف بينهم قول "بيع البقرة واشري داف"، أي بيع البقرة التي في المزرعة واشتري لك شاحنة "اوتانتة" داف الهولندية.



أما عن الأسواق القديمة التي كانت بمصراتة فقد كتب الأستاذ محمد المنتصر في هذا الصدد:

توسعت أسواق إماطين (وسط مصراتة) وتخصص كل سوق بسلعة محددة، وعرف كل سوق باسم اشتق إما من اسم السلعة التي تباع فيه مثل: سوق العطارة، وفندق الزيت، وسوق اللحم، وفندق الفضة، أو من أسماء العائلات التي شيدتها ومارست بها نشاطها التجاري، وكان أشهرها فندق قنابة، كما عرف بعضها بمسميات أخرى مثل فندق الكرمة، كما بني إلى جانب الأسواق والفنادق محلات تجارية بعضها كبيرة (مغايز) وأخرى صغيرة (دكاكين)، بالإضافة إلى الأسواق المفتوحة في الساحات مثل: رحبة السعي (الغنم)، ورحبة الحطب .. وسوق الأحد نسبة إلى يوم الأحد الذي ينعقد فيه، والذي يقدم فيه سكان مصراتة والمناطق المجاورة إلى إماطين لتسوق أو لبيع ما لديهم، وقد وصف الرحالة الحشائشي السوق بعد زيارته له في سنة 1895م. (3)

الخلاصة في جد وكد أهلنا ما ذهب وأكد عليه الشيخ المفتى الطاهر أحمد الزاوي في وصف سكان المدن الساحلية ومنها مصراتة بأنهم: " .. يشتغلون بفلاحة الأرض وزراعتها، وبتربية الماشية في البادية بواسطة الخدم أو تأجير سكان البادية. وفي الوقت نفسه تجدهم يشتغلون بفلاحة البساتين، ويزرعون فيها جميع أنواع الفواكه والخضر. ولا يشغلهم هذا وذاك عن استعمال ما فضل لديهم من وقت في التجارة ..".



فأهل مصراتة أعتاشوا من الأرض ومن الشط ومن الترحال، كما وصفهم الدكتور خشيم، فكان بعضهم يصطاد السمك من الشطين، البحري والشرقي، فيما يعرف مصراتياً بـ التنارة، أي صيد التن، وقد رأيناها، وشريحة ليست بصغيرة عملت بالظهير الزراعي سواء بالدافنية أو طمينة، كما تميز المجتمع المصراتي بالصناعات المحلية التي كادت تجعل منه مجتمعاً مكتف ذاتياً، وهذه الصناعات تقاسمتها قبائل وبيوتات مصراتة كلٌ حسب تخصصه. فعلى سبيل المثال عُرف عن قبيلة الرملة، كما يفصل الدكتور خشيم، صناعة الحبال والقفاف من نبتة الحلفا، بينما المغاربة امتهنوا صناعة "البلغ"، أي الأحذية بأشكالها وألوانها، والصوالح بـ "العبي" العباءات، والمقاوبة بـ "الكلمان" الفرش أو الكليم المصراتي، والمقاصبة بـ الطواقي و"المعارق"، ويدّر امتازوا بصناعة الحديد، والبلابلة صناع المحاريث، .. وهكذا.

ولهذا عندما هاجر أهلنا من غرب الصحراء إلى مشرقها، حدث التمازج والتكامل بينهما، فإن الحرف الرئيسية التي امتهنها البدو هي الرعي أو قيادة القوافل عبر الصحراء أو الانخراط في سلك الجندية للقتال أو الحملات التأديبية على عكس العائلات الحضرية، وفي مقدمتهم المصراتية، التي كانت تربي أبناءها على العلم والتجارة.



وخير دليل هو رفيقي، الدكتور المفتي، فأصوله من يدّر، ووالده كان تاجراً معروفاً في بنغازي، وجده عالم دين، لذلك لقبوا بالمفتي، وهو رجل طبيب وكاتب، وكتب عن تجارة والده في مؤلفه الرائع "هدرزة في دكان الشايب"، أما البدوي، كحالة ربعي، لا يحبذون مهنة التجارة ولذلك يحتقرونها، حتى قال أحدهم "لانا من قرطاسة الكواغط ولانا من مصاصة أقلام الكوبيا"(4)، فكان البدو لا يحبون الجلوس في مكان واحد لمدة طويلة ينتظرون رزقهم، ولا يحبون المماطلة على غرامات الشاي أو السكر لما في ذلك، كما يرون، من خدش للمروءة والشهامة والنخوة العربية .. بينما من المفارقات العجيبة .. لا يتأنى في قتل من يشق درباً في زرعه أو يرعى في أرضه بدون إذنه ..

يبقى القول إن البادية تحبذ وتسعى إلى اقتناء السلاح بينما مصراتة تكسب الثروة وكلاهما يسعى لتقاسم السلطة بما يملك من مقدرات. والرائع في هذا وذاك إنه لم تحدث أي مشاحنات أو منازعات بين البادية في برقة والمصراتية، ولم يسجل لنا التاريخ أن يوماً ما اصطف بادية المنطقة في ضفة ضد إخوانهم من عرب مصراتة، ولكن كم من حروب ضروس رأيناها تطحن أبناء البادية بعضهم ببعض من أجل أرض أو دابة، وكم من نزاعات بين عرب مصراتة تقاتلوا فيها على محل أو تجارة .. ولكن لم يلتق الصفان .. البادية والمصراتية .. على شقاق، بل كانا دائماً في أمس الحاجة لبعضهما البعض، البدوي يملك الأرض واليد العاملة، والمصراتي يملك رأس المال والحنكة، ويجمعهما روح المغامرة، فهذا البدوي يصحا، ولا يعرف أين سيمسي، وهذا المصراتي جاء من مصراتة إلى مجاهل برقة ليعيش، فالتقت الذهنيتان المغامرتان، وصنعتا هذا النسيج العجيب، والموزيك الرائع، الذي قليل منا من حاول فك شفرته وفهمه.

الجدير بالذكر أن وجهاء وزعماء القبائل قد حارب الفتنة التي أرادها أصحابها بين سكان بنغازي من حضر وبادية، فقال الشيخ عبد الحميد العبار كلمته الشهيرة في عرب مصراتة: "اللي مو شاري بزناده"، أي أن الذي لم يشتري منا أرضاً، فقد ضرب معنا بزناده في الشدة، ونسوا أصحاب الفتن أن الشيخ عبد الحميد أخواله من مصراتة، وإن بيتهم يُعرف فيما بين آل العبار بـ بيت المصراتية.

كذلك الكلام المنسوب للشيخ أحمد عقيلة الكزة حين رد على الفتانين الذين أرادوا بنا سوءً فقال: "مصراتة خيخي وبنيخي" .. أي إخواننا، وأبناء إخواننا وأخواتنا، ونسوا أن أمه التي ولدته وربته من آل الكيخيا .. حليمة بنت مصطفى الكيخيا .. تركت وسط المدينة لتعيش في منطقة سلوق، حيث نجوع البادية، استشهد زوجها، المجاهد عقلية الكزة في معركة الحقيفات عام 1924م، فهاجرت مع أهل دارها، بقيادة المجاهد الكبير عبد السلام الكزة والأخ الأكبر للشهيد عقيلة، فرابطت في بر مصر، وانتظرت العودة، ولكن المنية كانت أسبق إليها، فدفنت في صعيد مصر صابرة محتسبة، مع من مات من آل الكزة يتقدمهم الشيخ عبد السلام نفسه الذي مازال يرقد في مغاغة(5) بالصعيد. هذا وقد قام بعض عرب الغرب بالتسمي بأسماء أمهاتهم البدوية والعكس كما هي عادة البادية، فتجد عيت العرفية والشهيبية والشعالية والغرباوية وغيرهم، ما يفسر هذا التواشج.



أيضاً تجد هناك بيت في عائلة الكزة في قبيلة العواقير يحمل اسم جدهم المصراتي، ولا نعرف تحديداً لماذا سمي بالمصراتي، وأنا لا استغرب إذا ما سمي على فقيهاً مصراتياً من باب التيمن، كما كانت تفعل الجدات والأمهات تبركاً، فكثير من أهل بادية برقة من يحمل أسماء المرابطين والصالحين، فتجد الفرجاني والفيتوري والمجدوب والغرياني والقذافي والمدني والمحجوب والسنوسي والزروق وغيرهم.
قُتل المصراتي الأول في حرب زغبة بين صف عرب برقة ضد رزق الله الحسوني، فسمي عليه المصراتي للمرة الثانية عند آل الكزة، ومن الشعر الذي قيل في حرب زغبة وفي المصراتي تحديداً:

سـلاك يواتي
سلاك دين شاقامه مع المصراتي

ومن بيت المصراتي في آل الكزة المجاهد إبراهيم المصراتي، وكذلك المجاهد عبد الجليل المصراتي صاحب تلك المقولة الشهيرة يوم معركة الرحلان الذي قال: العركة بالرحيل .. العركة بالرحيل، وقيل: اركاك يا جمال القوس والعركة بالرحيل.
والرحلان عبارة عن نجوع قررت الرحيل بكل ما تملك، وكانت تلك المعركة عبارة عن المجاهدين يقاتلون، وفي نفس الوقت يرتحلون بأهاليهم وبهائمهم، حيث مناطق آمنة صوب الجنوب في الصحراء، وبعيد عن سلطات الطليان، فالحدث والمعركة اسمهما الرحلان، أما المكان فهو الحقيفات، جنوب شرق بنغازي.



وأكد لي آل الكزة بأن هناك علاقة وطيدة وقديمة جداً بين العواقير وبين عرب مصراتة من سكان بنغازي .. وهي مبنية على صحبة وتداول وتصاهر .. حتى الأستاذ نوري الكيخيا اخبرني عن عمق هذه العلاقة، فذكر لي قصة ظريفة مفادها أن مصراتياً كان يعمل خرازاً في البادية قرب نجوع آل الكزة بمنطقة سلوق، وكان صديقاً لبوشنيف الكزة، وكانت البادية "يميزون" .. أي يتسابقون .. على خيولهم فيما يُعرف بـ "الميز"، ويبدو أنهما كانا يتبادلا المزاح، فساءل بوشنيف صاحبه المصراتي: إن كان يعرفون "الميز" وركوب الخيل، فرد عليه صاحبه شعراً:

يا بو شــنيف هــــازي
ما خبرك جدك على الجوازي
أيام عقلتك في بحـر بنغازي
وأيام أبلكم ما تهلب السباله
لولا ولد كرغول يا هردازي
رحت بلا لا سوق ولا دلاله

للحديث بقية ..
1. في حوار مع خالد المهير نشره موقع ليبيا اليوم بتاريخ ديسمبر 2007م.
2. مناع، محمد عبد الرازق - الأنساب العربية في ليبيا صـ 289.
3. المنتصر، محمد حسن، إماطين مركز مسراتة القديم، نشر في موقع ليبيا جيل - الأربعاء 22 سبتمبر 2004م.
4. والقصد من هذا المثل البرقاوي هو أن البدو لا يبيعون الشاي والسكر والطماطم المعجون بالغرامات، وهي من شبه الضروريات، في قراطيس تسمي كواغط. وكذلك لا يبعثون أولادهم إلى المدارس حيث يمص التلاميذ أقلام الكوبيا (إيطالية) , ويبلونها لكي تدر حبراً، وهذه دلالة على ضنك العيش لمن تاجر أو أراد التعلم.
5. مغاغة هي أحد مراكز محافظة المنيا حيث يتركز كثير من قبائل ليبيا التي هاجرت إلى بر مصر كالجوازي.
 
 
 
 
 
الإسم :  

التعليق :
 
   
     
     
الصحفي محمد الصريط ينجو من الموت بعد تعرضه لاعتداء
محاكمات رجال العهد الملكي
أحداث ومفارقات تأسيس وإنطلاق أول گلية للطب البشري‮ ‬في‮ ‬ليبيا
ترقية وترضية وتنقية أجواء تسيطر على الدوري الليبي
في استقبال رمضان
 
 
 
 
 
 
 
         

   
    Home| About Us| Contact Us    
   
  Jeel Media - All rights reserved © 2010 - 2001 جيل للإعلام - جميع الحقوق محفوظة